فصل: ذكر السنة الحادية عشرة من الهجرة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التنبيه والإشراف (نسخة منقحة)



.ذكر السنة الثامنة من الهجرة:

سنة الفتح، ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي في صفر إلى بني الملوح بكديد بين عسفان وقديد.
ثم سرية أيضاً في صفر إلى مصاب أصحاب يسير بفدك، وفي هذا الشهر قدم عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤي بن غالب، وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي مهاجرين.
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي في شهر ربيع الأول إلى بني عامر بالسي من ناحية ركبة، مما تلي تربة وركبة وراء معدن بني سليم من المدينة على خمس ليال.
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري في هذا الشهر إلى ذات أطلاح، وهي وراء وادي القرى بني تبوك واذرعات من بلاد دمشق من أرض الشأم فقتل أصحابه جميعاً وتحامل إلى المدينة جريحاً.
ثم سرية زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج في جمادى الأولى لغزو الروم إلى مؤتة من ناحية البلقاء من أعمال دمشق من الشأم لقتل شرحبيل بن عمرو الغساني الحارث بن عمير الأزدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى صاحب بصرى، ولم يقتل للنبي صلّى الله عليه وسلّم غيره وكانوا في نحو من ثلاثة آلاف فلقيهم جموع الروم في مائة ألف أنفذهم هرقل للقائهم وهو يومئذ مقيم بأنطاكية وعلى الروم تيادوقس البطريق، وعلى متنصرة العرب من غسان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو الغساني، فقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب بعد أن عرقب فرسه، وهو أول فرس عرقبت في الإسلام وجرح نيفاً وتسعين جراحة كلها في مقادمه، وعبد الله ابن رواحة ورجع خالد بن الوليد بالناس.
ثم سرية عمرو بن العاص في جمادى الآخرة إلى ذات السلاسل وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام، فلقيه جموع الروم ومتنصرة العرب فاستمد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأمده بسرية فيها أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وكان لعمرو في هذه السرية أفعال أنكرت عليه منها صلاته بالناس جنباً، ومنعه إيقاد النار مع حاجتهم إليها لشدة القر وكثرة الجراح وغير ذلك، وبلغ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ما فعل فأجازه لما ذكر فيه من المصلحة للجيش.
ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح في رجب إلى أرض جهينة بناحية البحر بينها وبين المدينة خمس ليال.
ثم سرية أبي قتادة النعمان بن ربعي الأنصاري ثم الخزرجي في شعبان إلى خضرة أرض محارب بنجد.
ثم سرية أبي قتادة أيضاً في هذا الشهر إلى بطن إضم بين ذي خشب وذي المروة بينها وبين المدينة ثلاث برد ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة وهي غزوة الفتح سار إليها لثلاث ليال خلون من شهر رمضان في عشرة آلاف من المسلمين فدخلها، وكان استخلف على المدينة أبا رهم الغفاري. قال المسعودي: وتنوزع في دخوله أصلحاً كان أم عنوة فقال أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي من الأوازع من حمير في آخرين من أهل الشأم وأهل العراق وغيرهم من أهل الظاهر كأبي سليمان داود بن علي الأصبهاني وغيره فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة عنوة فخلى بين المهاجرين وأرضهم ودورهم بمكة ولم يجعلها فيئاً واحتجوا بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ألا إنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي» وبقوله: «أترون أوباش قريش أنى لقيتموهم فاحصدوهم حصداً»، وأمره بقتل ابن خطل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ومقيس بن حبابة وغيرهم؛ وغير ذلك من الحجاج فقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وموافقته: لم يدخلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنوة وإنما دخلها صلحاً، وقد تقدم لهم أمان بقوله من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ودليل قول الله عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم}.
وقد روي أن هذه الآية نزلت في غزوة الحديبية كذلك حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري عن بشر بن معاذ عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة.
وذهب أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي من ذي أصبح بن مالك من حمير وغيره من أهل المدينة إلى مثل ذلك فإنهم لما أمنوا على أنفسهم كانت أموالهم تبعاً لهم، وقال آخرون منهم أبو عبيد القاسم بن سلام افتتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولا جعل فيئاً وغير ذلك من الحجاج، وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتل عدة، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي وكان أخا عثمان بن عفان لأمه وأحد من كتب الوحي فارتد مشركاً ولحق بمكة فلما أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقتله أخفاه عثمان ثم أتى به النبي صلّى الله عليه وسلّم سائلاً فيه فصمت النبي صلّى الله عليه وسلّم طويلاً، ثم قال: «نعم» فلما انصرف به عثمان قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمن حضره من أصحابه: «أما والله لقد صمت ليقوم أليه بعضكم فيضرب عنقه»، فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت يا رسول الله؟ فقال: «إن النبي لا يقتل بالإشارة»، ومنهم عبد الله بن خطل من تيم بن غالب بن فهر بن مالك، وقيل إن اسمه هلال بن خطلن وابن خطل هو عبد الله وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمره مصدقاً وكان معه رجل من الأنصار وغلام له فقتل الغلام لخلاف كان منه عليه وارتد مشركاً وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأمر بقتلهما معه، ومقيس بن حبابة من بني كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر وكان قتل رجلاً من الأنصار قتل أخاً له خطأ وكان رجع إلى مكة مرتداً، وعكرمة ابن أبي جهل المخزومي، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي وكان ممن يؤذيه بمكة فقتله علي بن أبي طالب عليه السلام، وسارة مولاة كانت لبني عبد المطلب وكانت ممن يؤذيه بمكة أيضاً وبث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السرايا حول مكة وكان أولها سرية خالد بن الوليد في شهر رمضان إلى نخلة اليمانية لهدم العزى فهدمها.
ثم سرية عمرو بن العاص في شهر رمضان إلى سواع برها فهدمه.
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي من الأوس في هذا الشهر إلى مناة بالمشلل فهدمه.
ثم سرية خالد بن سعيد بن العاص إلى عرنة.
ثم سرية هشام بن العاص إلى يلملم.
ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسي في شوال إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسي فهدمه.
ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني خزيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة وكانوا أسف مكة على ليلة منها نحو يلملم، بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم داعياً، ولم يأمره بالقتال فقتلهم بالغميصاء، فوادهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هوازن وهي غزوة حنين.
قال المسعودي: وحنين واد إلى جانب ذي المجاز بينه وبين مكة ثلاث ليال، وكان خروجه صلّى الله عليه وسلّم في اثني عشر ألفاً من أهل مكة والخيل مائتا فرس وقيل أكثر من ذلك وطلب صلّى الله عليه وسلّم من صفوان بن أمية عارية أدراعاً كانت عنده وصفوان يومئذ مشرك قد استأجل النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسلامه شهرين فقال أغصباً يا محمد؟ فقال: «بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك» فأعطاه مائة درع مما يصلحها من السلاح على ما في هذا الخبر من اختلاف الألفاظ واضطراب الأسانيد وتنازع الناس في العارية مضمنة هي كما قال الشافعي وغيره اشترط ذلك المعير أم لم يشترط، وهو وقول يعزى إلى ابن عباس وأبي هريرة وغيرهما أم غير مضمنة كما قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت وصاحباه وسفيان الثوري وأهل الطاهر، ويعزى ذلك إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وعبد الله بن مسعود أم تكون مضمنة إذا اشترط ضمانها كما قال قتادة وغيره، أو كما قال مالك ما كان من ذلك ظاهراً مثل الرقيق وغيره من الحيوان أو الربع فلم يبعد ذلك لم يكن ضامناً، وما كان من العروض والحلي وغيره ذلك فهو ضامن إلا أن يصيبه أمر من أمر الله تعالى يعذر به أو يقوم له بينة فلا يضمن وغير ذلك من الأقاويل مع اتفاق الجميع على أن المستعير لا يملك العارية واتفاقهم على أن له الشيء المستعار فيما أذن له مالكه أن يستعمله فيه، واتفاقهم على أن المستعير إذا أتلف الشيء المستعار أن عليه ضمانه فلقي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هوازن بأوطاس عليهم مالك بن عوف النصري نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ودريد بن الصمة الجشمي جشم بن بكر ابن هوازن وكان أحد فرسان العرب وشجعانهم وهو يومئذ شيخ كبير ضرير، قيل قد جاوز المائتي سنة ليس فيه إلا التيمن برأيه وكان من حضر ذلك اليوم من هوازن نصر وجشم أبناء معاوية بن بكر بن هوازن وسعد بن بكر بن هوازن ونفر من بني هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ولم يحضرها أحد من بني نمير ولد عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوازن، ولا من كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ولا من ولد كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهم عقيل والحريش وقشير وجعدة وعبد الله وحبيب بنو كعب فهزمهم الله وغنم رسوله أموالهم وذراريهم، وقتل دريد بن الصمة يومئذ في نوح من مائة وخمسين رجلاً من هوازن، وهرب مالك بن عوف.
ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في رجب تبوك مما يلي دمشق من أرض الشأم، وبين تبوك والمدينة تسعون فرسخاً، وذلك مسيرة اثنتي عشرة ليلة وكان معه في هذه الغزاة ثلاثون ألفاً، الخيل عشرة آلاف، والإبل اثنا عشر ألف بعي، ويسمي جيش العسرة لأنهم أمروا بالخروج لما طابت الثمار واشتد الحر وطاب لهم الظلال، شق عليهم الخروج لبعد المسافة، وعسرة من الماء، وعسرة من النفقة والظهر، وحث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأغنياء على النفقة والحملان، فصار إلى تبوك، فأقام بها بضع عشرة ليلة، وقيل عشرين، يصلي ركعتين ركعتين، وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها علي بن أبي طالب وقد ذهب قوم إلى أنه استخلف عليها أبا رهم الغفاري وعلى أهله علي بن أبي طالب، وقيل بل استخلف عليها بن أم مكتوم، وقيل محمد بن مسلمة، وقيل سباع ابن عرفطة، وتخلف عبد الله بن أبي معسكراً في الموضع المعروف بالجرف في قطعة من الجيش، وفي هذه الغزاة قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب لما خلفه بالمدينة ولم يخلفه قبلها، وقد رأى كراهية علي لذلك: «أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي»، والأشهر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استخلف علياً على المدينة، ليكون مع من ذكرنا من المتخلفين، وقد ذكرنا السبب الذي له ومن أجله خلفه، وسبب تخلف عبد الله ابن أبي فيما ذكرنا في كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار الذي كتابنا هذا تال له، وفيها كانت قصة الثلاثة الذين خلفوا، فأنزل الله عز و جل: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} وهم من الأنصار، كعب بن مالك الخزرجي، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الأوسيان.
وقد أتينا على ما كان بينه وبين هرقل، ملك الروم من المراسلات في هذه الغزاة في حال مقامه صلّى الله عليه وسلّم بتبوك، وهرقل يومئذ بحمص، وقيل بدمشق فيما سلف من كتبنا وبعث من هناك خالد بن الوليد المخزومي إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل، فأخذه أسيراً وفتح الله عليه دومة؛ وجاءه وهو بتبوك أسقف أيلة يحنة بن روبة فصالحه على أن على كل حالم بها ديناراً في السنة، وقدم عليه أهل أذرح فسألوه الصلح على الجزية فقبلها وكتب لهم كتاباً، وفي هذه الغزاة نهى عن إخصاء الخيلن وغزوة تبوك آخر غزواته صلّى الله عليه وسلّم وفي انصرافه من هذه الغزاة هم عدة من المنافقين باغتياله صلّى الله عليه وسلّم ليلاً وإلقائه في الثنية، وهم المعروفون بأصحاب العقبة، فحال الله بينهم وبين ما أرادوا بنبيه وظهره عليهم، وقد أتينا على شرح خبرهم وسمائهم في كتاب الاستذكار عند ذكرنا هذه الغزاة، وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بهدم مسجد الضرار وإحراقه؛ وكان في بني سالم بن عوف بن الأوس، وفيه أنزل الله عز وجل: {الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حاربا الله ورسوله}.
وتوفيت أم كلثوم ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شعبان، وفي ذي القعدة من هذه السنة كانت وفاة عبد الله بن أبي مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن الحبلي، وهو سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج بن حارثة، وأم أبيه سلول امرأة من خزاعة بها تعرف، وكان أحد المنافقين، وقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة مهاجراً، والتاج ينظم له ليملك وسن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذه السنة فرائض الصدقات وأوجب في الغلات مما سقي سيحاً أو سقته السماء العشر، وما سقي بالنواضح نصف العشر، على ما في ذلك من التنازع بين فقهاء الأمصار في الوسق والحصر وغير ذلك.
ثم وجه عليه الصلاة والسلام أبا بكر الصديق رضي الله عنه في ذي الحجة ليحج بالناس ونزلت عليه سورة براءة، فبعث بسبع آيات من صدرها مع علي بن أبي طالب، وأمره أن يقوم بها على الناس بمنى إذا اجتمعوا، وقال: «أذن في الناس أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم تنادى، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة»، وحمل علياً على ناقة العضباء، على ما في هذا الخبر من التنازع والتأول بين فرق أهل الصلاة وأصحاب النص من الشيعة، وأصحاب الاختيار من المعتزلة والخوارج والمرجئة وفقهاء الأمصار وغيرهم من الحشوية والنابتة، فحج المسلمون وحج المشركون على منازلهم من الشرك، وقام علي بمنى على ما أمره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم تمض سنة حتى دخلت العرب في الإسلام، وكانوا أكثر من مائة ألف وتعايروا بالشرك بينهم، والمقام عليه.

.ذكر السنة العاشرة من الهجرة:

سنة حجة الوداع، ثم سرية أسامة بن زيد إلى يبنى وأزدود من أرض فلسطين من بلاد الشأم.
ثم سرية خالد بن الوليد في شهر ربيع الأول إلى بني عبد المدان من بني الحارث بن كعب، من ولد عريب بن زيد بن كهلان بنجران اليمن، وفي هذا الشهر توفي إبراهيم بن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان من مولده إلى وفاته سنة وعشرة أشهر وعشرة أيام وكسفت الشمس يومئذ. فقال قوم إنما كسفت لموته، فصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلاة الكسوف. ثم قال: «أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله»، ثم سرية علي بن أبي طالب عليه السلام في شهر رمضان إلى اليمن، وكتب معه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتاباً يدعوهم إلى الإسلام، فجمعوا له فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودعاهم إلى الإسلام، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد.
واسم همدان أو سلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم تتابعت اليمن على الإسلام، وقدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفودهم، فكتب لهم كتباً بإقرارهم على ما أسلموا عليه من أموالهم وأرضهم، ووجه عماله لتعرفيهم شرائع الإسلام، وقبض صدقاتهم، وجزية من أقام على دين النصرانية والمجوسية واليهودية منهم وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمال البحرين، وكان حليفاً لبني أمية وهو أول مال حمل إلى المدينة ففرقه على الناس، وقدمت وفود العرب عليه من كل وجه من معد واليم، وكانت تتربص بإسلامها فلما فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة ودانت له قريش، انقادت له العرب إلى الإسلام وقد وفد بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل من اليمامة فيمن قدم من الوفود، وفيهم مسيلمة الكذاب بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحراث بن عدي بن حنيفة، ويكنى أبا ثمامة، وبنو حنيفة يسترونه بالثياب فلما رجعوا أظهر مسيلمة أمره بادعائه النبوة.
وصار إليه في هذه السنة السيد العقاب وافداً أهل نجران يسألانه الصلح، فصالحهما عن أهل نجران على ألفي حلة في السنة وغير ذلك.
ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاجاً لخمس بقين من ذي القعدة وقد ساق معه الهدي ستين بدنة، وقيل أكثر من ذلك وأقل، فلما صار بالموضع المعروف بسرف، أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدي، ودخل مكة وقدم علي بن أبي طالب من نجران اليمن مهلاً بالحج، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «بأي شيء أهللت؟» قال قلت: حين أحرمت اللهم إني أهل بما أهل به عبدك ورسولك، فقال له: «هل معك من هدي؟» قال: لا، فأشركه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هديه، وثبت على إحرامه مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى فرغا من الحج.
ونحر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الهدي عنهما وحج بالناس وأراهم مناسكهم وعرفهم سننن حجهم، وأعلمهم أن دماءهم وأموالهم عليهم حرام، وأن كل دم موضوع، فسميت حجة الوداع لأنه ودعهم ولم يحج بعدها، وتسمى أيضاً حجة البلاغ لأنه حين ودعهم خطبهم فقال في خطبته: «ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» وهذا القول بين ماضي الزمان ومستقبله مثبت لبطلان النسيء على ما قدمناه مفصلاً فيما سلف من كتابنا هذا. ثم قال: «اللهم هل بلغت؟» فقالوا نعم فقال: «اللهم اشهد» وأحج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساءه كلهن معه وابنته فاطمة وقيل إنه أفرد الحج، وقيل أقرن، وقيل إنه كسا البيت في حجته الحبرات.

.ذكر السنة الحادية عشرة من الهجرة:

سنة الوفاة، فيها كان توجيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمرو بن العاص إلى جيفر وعباداً بني الجلندي بن مسعود الأزديين صاحبي عمان بدعوهما إلى الإسلام فأسلما، وفي هذه السنة قوي أمر الأسود العنسي الكذاب المتنبي باليمن وهو عبهلة بن كعب بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن سعد بن عنس بن مذحج وهو مالك بن أدد بن زيد بن يشجدب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان بدء أمره بالموضع المعروف بكهف خبان وكان يدعى ذا الحمار، لحمار كان معه قد راضه وعلمه يقول له اسجد فيسجد ويقل له اجث فيجثو، وغير ذلك من أمور كان يدعيها ومخاريق كان يأتي بها يجتذب بها قلوب متبعيه وقتل بإذان رئيس الأبناء الذي شخصوا مع وهرز إلى اليمن، وكانوا أسلموا وتزوج امرأته، فوثب عليه فيروز بن الديلمي من الأبناء، وعاضده في ذلك داذويه، وقيس بن مكشوح المرادي.
وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم كاتبه فقتلوه فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أصحابه بقتله، وقيل إن رأسه حمل إلى المدينة، وقد قبض رسول الله صلّىالله عليه وسلّم، وتنوزع هل كان مقتله في حياته أم بعد وفاته؟ ثم وثب قيس بن مكشوح المرادي على داذويه فقتله متقرباً بذلك إلى قوم ذي الحمار من عنس، وقال في ذلك.
قد علم الأحياء من مذحج ** ما قتل الأسود إلا أنا

طلبت ثأراً كان لي عنده ** بقتلة الأسود مستمكنا

في كلمة له طويلة أولها:
ألم يسلمى قبل أن تظعنا ** إن بنا من حبها ديدنا

ثم ندب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد في صفر إلى بلاد البلقاء وأذرعات ومؤتة من أرض دمشق من الشأم ثائراً بأبيه، ولأسامة يومئذ ثماني عشرة سنة.
وكان في بعثه عمر بن الخطاب والزبير وأبو عبيدة بن الجراح، وتنوزع في أبي بكر، أكان في هذا البعث أم لا؟ فأقاموا يتجهزون إلى أن توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان يقول في علته جهزوا جيش أسامة.
قال المسعودي: وكانت غزوات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التي غزاها بنفسه سبعاً وعشرين غزوة، ومن الناس من يذهب إلى أنها ثمان وعشرون، فالذي ذهبوا إلى أنها سبع وعشرون، جعلوا منصرف النبي صلّى الله عليه وسلّم من خيبر إلى وادي القرآ غزوة واحدة، والذي رووا أنا ثمان وعشرون جعلوا غزاة خيبر مفردة، ووادي القرى غزوة أخرى، قاتل منها في تسع، أولها بدر وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف هذا قول محمد بن إسحاق في آخرين، ووافق الواقدي ابن إسحاق في أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قاتل في هذه التسع غزوات وذكر أنه قاتل في غزاة وادي القرى، وفي يوم الغابة فقتاله في التسع اتفاق.
وزاد الواقدي ما ذكرنا وإنما حكينا تنازع هذين لأنهما قدوة في حملة المغازي والسير وإليهما يرجع في ذلك.
وكانت سراياه وسواربه وبعوثه على ما رتبنا في هذا الكتاب ثلاثاً وسبعين وتنازع مصنفوا الكتب في التواريخ والسير في ذلك، فذهب قوم منهم إلى أن سراياه وسواربه ست وستون، وقال آخرون نيف وخمسون.
وقال محمد بن إسحاق في عدة من أصحاب السير والمغازي، بل ذلك خمس وثلاثون.
وقال محمد بن عمر الواقدي في آخرين من أصحاب المغازي والسير إنما كانت السرايا والسوارب ثمانياً وأربعين.
قال المسعودي: وأرى أن السبب الذي أوجب هذا التنازع المتفاوت في إعداد هذه السرايا؛ أن منهم من يعتد بسرايا لا يعتد بها آخرون، وذلك أنه كانت سرايا في جملة مغاز، فأفردها بعضهم واعتد بها، وبعض جعلها في جملة تلك المغازي، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قد وجه في كثير من غزواته سرايا إلى ما يلي البلاد التي حلها بعد هزيمة المشركين بخيبر في الطب على ما قدمنا، ووجه بعد فتح مكة سرايا لهدم الأصنام التي حول مكة، فوقع التنازع لأجل ذلك، فجمعنا في كتابنا هذا جميع ذلك ولم نأل جهداً في حصره وترتيبه، ولم نخله من ذكر خلاف أصحاب السير في ذلك ليكون أعم لفائدته وأجزل لعائدته، على أنا لم نجد أحداً حصل على تحصيلنا، ولا رتبه ترتيبنا، فمن أراد علم ذلك فليتفصح كتب من عني بهذا الشأن من الأسلاف والأخلاف يقف على حقيقة ما قلنا وفضيلة ما أتينا، ففهم ذلك بعد الكفاية يسير، ومطلبه قبل الكفاية عسير. وقد ذكرنا ذلك على الشرح والإيضاح، وما فيه من التنازع في كتاب فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف وفي كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار الذي كتابنا هذا تال له ومبني عليه، وإنما حذفنا من كتابنا هذا الأسانيد ليخف تحمله، ويقرب متناوله.
قال المسعودي: وقد ذكرنا عدة من ذوي المعرفة بسياسة الحروب وتدبير العساكر والجيوش ومقاديرها وسماتها، أن السرايا ما بين الثلاث نفر إلى الخمسمائة، وهي التي تخرج بالليل، فأما التي تخرج بالنهار فتسمى السوارب، وذلك قوله عز وجل: {ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار}، وما زاد على الخمسمائة إلى دون الثلاثمائة فهي المناسر، وما بلغ الثمانمائة فهو جيش، وهو أقل الجيوش وما زاد على الثمانمائة إلى دون الألف فهوالخشخاش، وما بلغ الألف فهو الجيش الأزلم، وما بلغ الأربعة آلاف، فهو الجيش الجحفل، وما بلغ اثني عشر ألفاً، فهو الجيش الجرار، وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها، فما كان دون الأربعين، فهي الجرائد، وما كان من الأربعين إلى دون الثلاثمائة فهي المقانب، وما كان من الثلاثمائة إلى دون الخمسمائة فهي الجمرات، وكانوا يسمون الأربعين رجلاً إذا وجهوا العصبة، ويقولون خير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يؤتى اثنا عشر ألفاً من قلة.
وقد رأى قوم أن المقنب مثل المنسر، وأن كل واحد منهم ما بين الثلاثين رجلاً إلى الأربعين؛ واستشهدوا على تقاربهم بقول الشاعر:
وإذا تواكلت المقانب لم يزل ** بالثغر منا منسر وعظيم

وأن الكتيبة ما جمع فلم ينتشر، وأن الحضيرة النفر الذين يغزى بهم العشرة فمن دونهم، والنفيضة جماعة يغزى بهم وليسوا بجيش كثير، وأن الأرعن الجيش الكبير الذي له مثل رعن الجبل، والخميس الجيش العظيم، والجرار الذي لا يسير إلا زحفاً لكثرته، والجرار أكثر ما من الجيوش العظمى. ويقول الناس فيما ذكرنا كلاماً كثيراً، وقد ذكرنا من ذلك أفضل ما قيل فيه وأوجزه.
وتنوزع في أي يوم من شهر ربيع الأول كانت وفاته عليه الصلاة والسلام بعد إجماعهم على أن وفاته يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، فقال الأكثرون كانت وفاته لاثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر.
وقال آخرون بل ذلك لليلتين خلتا منه، وقال آخرون لتسع خلون منه وكان ذلك اليوم السادس عشر من شهر أسفندار ماه من شهور الفرس، سنة 1380 لبخت نصر، وهو اليوم الثالث من حزيران سنة 943 للإسكندر بن فيلبس الملك، وسنة 100 من ملك كسرى أنوشروان بن قباذ، وكانت شكاته أربعة عشر يوماً وقيل دون ذلك وكان الذي تولوا غسله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتنوزع فيما كفين به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فروى جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين قال لما فرغ من غسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وقيل سحوليين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجاً.
قال المسعودي: والثياب الصحارية مضافة إلى صحار وهي قصبة عمان والسحولية ثياب بيض من قطن تعمل بموضع من اليمن يعرف بسحولا. وإلى هذه الرواية يذهب أهل البيت وشيعتهم وذلك كفن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام غير أنه عمم بعمامة لأجل الضربة، فصارت عندهم سنة مأثورة معمولاً بها.
وليس تعد العمامة والمئزر من الكفن المفروض عندهم ثوب واحد إذا لم يوجد غيره وثلاثة وخمسة لمن وجد سعة، وروى بعضهم ما زاد على خمسة فبدعة يشق أحد هذه الأثواب في وسطه ويقمص به من غير خياطة فيسمى القميص لذلك وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كفن في ثلاثة أثواب كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة وعنا في رواية أخرى أنه صلّى الله عليه وسلّم كفن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وحكي عن إبراهيم قال كفن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حلة يمانية وقميص ثم صلي عليه وقيل إنه دفن بعد وفاته بثلاثة أيام، وكان الذين نزلوا قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم ابنا العباس وشقران ممن سمينا.